AUC
//
Art

مستقبل التحرير الجيني في مشروع تخرج لنا كردي

بقلم سهى السرجاني
ترجمة إيهاب عبد الحميد
اختارت لنا كردي، خريجة قسم التصميم الجرافيكي بالجامعة الأمريكية في القاهرة، إبداع عمل مركب متعدد الوسائط بعنوان "تهجين الجيل الفائق" Breeding the Super Generation للمساعدة في الإجابة عن تلك الأسئلة، والتحرك بحرص بين قضايا أخلاقية عديدة ومعقدة تحيط بتحرير الجينوم البشري genome editing، لا سيّما قضية السلامة، والقبول، والفئات التي سوف يتاح لها الاستفادة من هذه التكنولوجيا.

تؤكد كردي، “هناك فجوة هائلة بين التطورات العلمية والجمهور في جميع أرجاء العالم”، مضيفة أن التحدي الذي واجهته تمثَّل في عرض المعلومات بطريقة جذابة وسهلة الفهم للجمهور؛ طريقة تدفعه للانخراط في هذه المعضلات الوجودية التي قد يقابلها في المستقبل القريب، وتُنشئ منصة للحوار عن الموضوع، و، في نهاية المطاف، تعمل على تمكين الجمهور من خلال تزويده بالمعرفة.

هل فكرت من قبل في تغيير أو إعادة تصميم جينات الأطفال الذين سوف تنجبهم في المستقبل؟

تختلف إجابات الناس، وتتراوح بين الفزع، والارتباك، والشعور بالإثارة. لكن لماذا تفرض نحو 40 دولة من دول العالم قيودًا على البحوث العلمية المتعلقة بهذا الموضوع، أو تحظرها تمامًا؟ وما الذي نعرفه عن آثاره وتداعياته؟

اختارت لانا كردي، خريجة قسم التصميم الجرافيكي بالجامعة الأمريكية في القاهرة، إبداع عمل مركب متعدد الوسائط بعنوان “تهجين الجيل الفائق” Breeding the Super Generation، للمساعدة في الإجابة عن تلك الأسئلة، والتحرك بحرص بين قضايا أخلاقية عديدة ومعقدة تحيط بتحرير الجينوم البشريgenome editing، لا سيّما قضية السلامة، والقبول، والفئات التي سوف يتاح لها الاستفادة من هذه التكنولوجيا.

تقول كردي، “السجالات قائمة منذ سنوات طويلة، لكنها ثارت مجددًا قبل نحو خمس سنوات عندما نجحت تكنولوجيا “كرسيبر” CRISPER [واسمها بالعربية: التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد] في جعل تحرير الجينوم البشري أكثر دقة وأسهل منالًا”.

“تهجين الجيل الفائق”، الذي يتناول أحد التطورات التكنولوجية الأكثر إثارة للجدل في المستقبل القريب، كان مشروع تخرج كردي، أنجزته بعد سنة كاملة من البحث والإعداد. أشرف على المشروع الدكتورة غالية السراقبي، رئيس قسم التصميم الجرافيكي، والمدرِّسة في دورة “تصميم المعلومات”، التي تقتضي من كل طالب ابتكار مشروع إبداعي يقوم على البحث، مع التركيز على التصميم للخبرات المستقبلية.

تصف السراقبي مشروع كردي بأنه “محاولة لسرد كل القصص وعرض كل الاكتشافات المتعلقة بتكنولوجيا “كريسبر”، وطرح الأسئلة حول دور المجتمع في تشكيل مستقبله”.

ينتمي الموضوع إلى “التصميمات التخمينية”، أو “الخيال التصميمي”، أو “التصميم النقدي“، حيث يعمل الفنان على التصميم وفي ذهنه التطورات المستقبلية، وفي الوقت نفسه يطرح أسئلة حول التبعات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للتكنولوجيات الصاعدة. على هذا النحو، وعن طريق توظيف قدر من الخيال من أجل توضيح مختلف الحقائق، يتخيل مشروع كردي مختَبرًا مستقبليًّا متخصصًا في تحرير الجينات البشرية، لكي يوضح المسارات المستقبلية المحتملة لتلاعب الإنسان بالجينات.

تقول كردي إن “المختبر الجيني ينقسم إلى ست ماكينات خيالية، كل واحدة منها تلقي الضوء على أحد الجوانب البحثية”. إنه مشروع يصحبنا إلى مستقبل يمكن أن نظهر فيه بـ”مظهر فائق”، أو نتمتع بـ”بشرة فائقة”، أو “ذكاء فائق”، أو “لياقة جسمانية فائقة”، وأن نصبح في النهاية “إنسانًا فائقًا”.

اختارت كردي عرض النسخة المكثفة من بحثها المتعمق عن طريق “التخطيط بالإسقاط” projection mapping؛ مزيج من مواد مطبوعة ملصقة على الحائط، يُعرض فوقها عن طريق “آلة العرض” (البروجيكتور) محتوى متحرك مصمم بدقة وعناية، في تفاعل يجسد الرسم الإيضاحي لكل آلة من الآلات.وقد انتهت كردي إلى اختيار هذا الموضوع بعد أن بدأت بحثها في اتجاه مختلف بعض الشيء.

تقول، “في البداية بحثت في علم الجينات ومستقبل الحروب؛ كيف تؤثر الجينات في الحروب والعكس”.

غير أن هذا البحث قادها في نهاية المطاف إلى الفرضية العلمية القائلة بأن بعض الجينات أفضل من البعض الآخر- وهي فرضية مثيرة للجدل من الناحية الأخلاقية، إذ استندت إليها عمليات التطهير العرقي والمذابح العرقية.

كردي تستكشف أسئلة شائكة في عملها: من الذي سوف تتاح له هذه التكنولوجيا؟ إلى أي مدى يحق لنا التحكم في تهجين الأجيال القادمة؟ وما هي صورة المجتمعات التي سوف نعيش فيها إذا تطورت هذه التكنولوجيا؟ لا توجد إجابات قاطعة على هذه الأسئلة، لا يوجد أبيض وأسود، بل آراء تتنوع بتنوع ألوان الطيف. قد تبدو هذه الشواغل بالنسبة لمعظمنا بعيدة كل البعد عن حياتنا اليومية.

تؤكد كردي، “هناك فجوة هائلة بين التطورات العلمية والجمهور في جميع أرجاء العالم”، مضيفة أن التحدي الذي واجهته تمثَّل في عرض المعلومات بطريقة جذابة وسهلة الفهم للجمهور؛ طريقة تدفعه للانخراط في هذه المعضلات الوجودية التي قد يقابلها في المستقبل القريب، وتُنشئ منصة للحوار عن الموضوع، و، في نهاية المطاف، تعمل على تمكين الجمهور من خلال تزويده بالمعرفة.

تَظهر المصممة على نحو مرهف من خلال اختياراتها؛ المعلومات التي قررت تضمينها وتلك التي اختارت تركها. كذلك تضيف “ماكينات الجين” الخيالية التي تصوَّرَتها عنصرًا سرديًّا، يجعلها ذاتية بعض الشيء. بخلاف ذلك، لا ينحاز الجانب المعلوماتي للمشروع إلى طرف دون آخر، بل يقدم كل وجه من الوجوه على نحو موضوعي بهدف تشجيع الحوار والتفكير النقدي بشأن المستقبل.

“أعتقد أن العمل المركب أثار فضول الناس وجعلهم يتوقفون أمامه. المشاهدون الذين لم يكونوا على دراية بالموضوع أصيبوا بصدمة حين عرفوا أنهم ليسوا أمام خيال علمي، بل تكنولوجيا تحدث فعليًّا كل يوم”، هكذا تصف الكردي تجاوب الجمهور مع عملها. “الناس استقبلوا الموضوع استقبالًا جيدًا، وكثير منهم سألوني عن موقفي، وآخرون كانوا يتوقفون ويشرعون في التعبير عن آرائهم”.

في مارس الماضي، وصل مشروع “تهجين الجيل الفائق” إلى “معرض الخريجين العالمي” الذي ينظم سنويًّا ضمن أسبوع التصميم في دبي، وشمل 40 مشروعًا، منها أربعة مشروعات مصرية. بسبب مساحة العرض المحدودة في “معرض الخريجين العالمي” اضطرت كردي إلى الاكتفاء بعرضه بطريقة الفيديو (بآلة العرض projector). أعطى ذلك فكرة عن عملها وما يحتويه من أفكار، لكنها تشعر أن العمل المركب الكامل ترك أثرًا أكبر لأنه يعرض كل المعلومات، ويعطي المشاهد نظرة أكثر شمولًا حول الموضوع.

أما مشرفتها، السراقبي، فترى الصورة الأكبر، “أمر طيب أن الفرصة سنحت لها لكي تجرب نشر المحتوى ومشاركة المعلومات عبر وسائط مختلفة. فلكل وسيط مميزاته. ففي حين يتميز عرض الفيديو بأنه أسهل في المشاركة، يمكن للعمل المركب الأصلي أن يعطينا أفكارًا للعرض في متاحف علمية، وكيفية مساعدة الناس على التفاعل مع موضوعات صعبة ومعقدة”.

كذلك ترى السراقبي الإمكانيات الكامنة في المشروع حين يصير متاحًا على نطاق أوسع. “المحتوى الآن بالإنجليزية بالكامل، لكن يمكن ترجمته إلى العربية ولغات أخرى، أو تصميمة بطريقة جذابة للأجيال الأصغر سنًّا على سبيل المثال”.

مشروع كردي سوف يعرض ضمن فعاليات مهرجان “كايروترونيكا”، حيث يمكن للجمهور التفاعل معه في صورته المركّبة الكاملة.