Issues
//
Music

جيلي عارف فين الصح!

بقلم إيهاب عبد الحميد

كل جيل يضع قواعده، ويرقص على إيقاعه الخاص. إيقاع هذا الجيل هو موسيقى المهرجانات. يناقش إيهاب عبد الحميد التغيرات والصراعات التي يعيشها مغنّو المهرجانات الشبان الذين يتحدون الركود السياسي والفني بأغانيهم، و”حرّاس البوابات” الذين يضعون القواعد في انتظار أن يلتزم بها الآخرون. تمنح موسيقى المهرجانات صوتًا للجيل الشاب، ويمكن النظر إليها بوصفها “الشريط الصوتي” لشوارع مصر في عصرنا الحالي؛ صرخة تمرد ضد موسيقى الجيل السابق. تتناول المهرجانات، متأثرة كثيرًا بالموسيقى الشعبية، موضوعات مثل الخيانة، والحب، والصداقة، وقيم الشرف والإخلاص، علاوة على تيمات التمرد، والصراع والتحدي.

التمرد وحده لا يكفي. التمرد يكفي لإطلاق صيحة، لكن الحفاظ على هذه الصيحة يحتاج إلى الكثير من الجهد. موسيقى المهرجانات تتطور، ولو ببطء. تفرز الغثّ عن السمين، تحاول الاستفادة من شِعرية “الراب” وتوظيفها في إيقاعات أكثر بهجة، وأكثر انسجامًا مع الأذن المصرية الحالية. ولعلنا نشهد معها المزيد من الموسيقى “الأصلية”، بدلًا من الموسيقى المعاد تدويرها.

كنت في سيارة «أوبر»، مشغولًا بالتفكير فيما أريد قوله في هذه المقالة، عندما اشتغلت هذه الأغنية. بالطبع، مثل كل أغاني الراب، لم أسمع منها إلا شذرات، لكنها كانت كافية لأبحث عنها لاحقًا.

يمكن ده الصح/ يمكن ع الكل/ يمكن أنا فُل/ وأنا أعرف إيه؟
يمكن العكس لما راسي بتثُور وتلومني/ بموت بعيش/ وبشوف لسه هاخسر إيه؟
أنا منحوس/ جيلي اتمرد/ جيلي اتغرّب/ جيلي جرّب/ جيلي عارف فين الصحّ/ جيلي عارف قيمته برّه

***

إحنا حبينا واتعلمنا/ في لحظة وقعنا واتألمنا/ واتعلمنا مفيش غير رجولنا تشيلنا/ رجولة تشيلنا/ نردّ جميلنا نصون العشرة/ إنت في بلدنا نقول المعدن مفيش قشرة/ إنتو في كلامكو يضيع الوقت ودة مش كيفنا

***

طالب العفو أديني ع الأرض/ برّايه هالله هالله وجوايا حرب/ كل اللي في سني هارينها ضرب/ وفاكرينها صح/
كله خطّاء ومفيش قمر اكتمل/ ماضيَّ مستقبل دفعني التمن/ أنا مش ناسي مين أنا/ كلّه نَفَس وبيرُوح/ البشر سمك في شبك.
جيلي اتجرأ/ جيلي اتهرّب/ جيلي يشرّف/ جيلي عايش تحت الضغط/ جيلي راسه مش في المجرة.

***

كلنا بنعاني تيجي عليّا ليه يعني/ وتشوف إنك أحسن مني/ تعيش رافض تسمعني/ عندي مخ ولسان بيئذيني وينفعني/ وانت بتطلّع أحكام لا تشغلني ولا بتاعتي/ بس شكلي برئ/ أنا كتاب كل صفحة تشين/
قالك صفحة جديدة/ زميلي.. بطاقتي مينا البصل.. صفحة مين؟/ الخوف جوايا عايزني أرجع للبداية/ قبل ما أعمل المجد/ قبل ما يعملولي حساب حتي/ أنا لسة معملتش حساب لحد/ أشغّل ضرسي وأنفع نفسي/ مديون ومداين/ أسدد قرضي/ كله طينة أرضي/ الرُبع مَرضي/ آجي أخطط مانقطشي/ احنا حبينا واتعلمنا/ احنا وقعنا واتألمنا/
احنا ما عاش اللي يقسّمنا/ أنا اللي حاضرها من أولها/ راحة وتعب/ تلج ونار/ فيه أسباب وفيه أعذار/ قسوة ورحمة/ وفيها كبار/ خير وشر كلهم أشرار/
١٠٠ مليار بلوة معمولة/ مفيش حد فينا أحسن من حد/ أعمالنا مسافرة ومابتلزقش/ كله بيتمشي ف صدره الذنب/ما تزايدش فانية/ مفيش من الاكتئاب تمانية/ ازميلي اتعايش مع ماضيك/ قبل ما تعيب ع الناس التانية/ حاضر بس حاضر غايب/ أنا وأنت احنا حبايب/ ها تقبلني بكل غلطاتي/ ما تحكمش عليا أنا مش شايب

***

منحوس/ جيلي اتمرد/ جيلي اتغرب/ جيلي جرب/ جيلي عارف فين الصح جيلي عارف قيمته برّه
(أغنية «منحوس» لـ«ويجز»، ٢٠٢٠)

لقطة من حلقة مع صاحبة السعادة لويجز

أردت التكلم عن «حرّاس بوابات الفن». بدا لي أن «ويجز» يخاطب كل حرّاس البوابات، كل أصحاب المفاتيح، كل من يظنون في أنفسهم القدرة والصلاحية لإصدار أحكام مطلقة: هذا فن، وهذا ليس فنًّا. يتكلم ويجز بلسان جيل.

في عام ٢٠٢٠ شكَّلت المهرجانات تهديدًا ل«حراس البوابات»، وشنّ هؤلاء حربًا بدت هجومية، غير أنها، في الحقيقة، دفاعية؛ يدافعون فيها عن مكانتهم، مدعومين بقطاع من الجماهير (الأكبر سنًّا غالبًا) يحنّ إلى أيام كان فيها المطرب يمرّ عبر «فلاتر» مختلفة، قد تكون «مخرومة» أو «قديمة» أو «صدئة»، لكنها تظل «فلاتر» تمنع من الغناء «كل من هبّ ودب»؛ فلتر «لجان الاستماع»، أو «شركات الإنتاج الكبيرة»، أو «النقاد الموسيقيين»، أو «الرقابة»، أو «المسؤولين في الإذاعة والتلفزيون».

الآن، تنتقل الموسيقى مباشرة من غرفة صغيرة في منطقة شعبية/عشوائية إلى فضاء الإنترنت الشاسع، ليسمعها كل من أراد، ويقيِّمها حسبما يرى. هكذا صارت الحال مع وسائل التعبير الحديثة، من السياسة إلى الفن. الحنين إلى الماضي لن ينتج إلا صراخًا متحسِّرًا.

لقد عشنا أكثر من ثلاثة عقود من الجمود السياسي قبل ثورة يناير، ومعها تقريبًا عشنا جمودًا فنيًّا، محصورين بين أغاني البوب، والأغاني «لشعبية»، التي لا تختلف عنها في كثير من الأحيان إلا في التوزيع والبدء بموّال يلصقها بالطرب الأصيل. لا موسيقى جديدة إلا على الهامش؛ «الأندر جراوند»، و«موسيقى الفنون الشعبية»، وبعض «الراب»، لكن لا شيء واسع الجماهيرية.

الجيل الذي أطلق أغاني «البوب»، التي سرعان ما وُصفت بأنها «أغاني شبابية»، أصبح في خريف عمره. الجيل «المتمرد» أصبح «كلاسيكي». الأغاني التي كانت توصف بأنها «رقص وتنطيط»، أصبح يُنظر إليها الآن على أنها «طرب أصيل». هذه حال الدنيا.

رغبة الجيل الأصيلة في التمرد على الجيل السابق له أنتجت موسيقى «المهرجانات». موسيقى لا يغنيها «عمرو» و«تامر» و«هاني»، بل «مولوتوف» و«وحش المجرة» و«الجنرال» و«العالمي»، ولا تقتصر على موضوعات الغزل والعشق والعلاقات الغرامية المكررة إلى حد السماجة. الكلمات مدينة للأغاني الشعبية، تجد فيها المعاني «الوجودية» البسيطة، من غدر الزمان والأحبّة والصُّحاب، وقيم الكرم والإخلاص، لكنك تجد معها أيضًا تعبيرًا عن التمرد والصراع والتحدي. إنها موسيقي تعبر عن جيل شاب، تعبيرًا يكاد يكون «مفارقًا» لما قبله، ما يجعلها لونًا جديدًا يستحق اكتساب اسم جديد. ولأن الموسيقى تتسم بالصخب الذي أصبح مسيطرًا على «شريط الصوت» في الشارع المصري في العقود الأخيرة، استحقّت اسم «المهرجانات».

ومع الموسيقى جاء التمرد في الرقص: حركات جديدة تخاطب الجسد الشاب، تتناسب مع صخب الموسيقى، وتستلهم رقصات السكاكين وقتال الشوارع والحركات المحمومة المستوحاة من «ضرب» المخدرات. رقص «ذكوري» الطابع، لكنه لا يستبعد الفتيات. الولد والبنت يرقصان، حين تسمح لهما الأجواء، سواء كانت فرحًا شعبيًّا أو صالة رقص راقية، ندًّا لندّ. لعلها الرقصة الأولى في هذا الصدد؛ قبلها كانت الفتاة ترقص «شرقي»، بينما يحاول الشاب صنع خلطة من الحركات غير المنسجمة بين هزّ الوسط والصدر، وانتهاء بتحريك الذراعين على طريقة البريك دانس.

الراقصات الأجنبيات، غير المحمّلات بالتراث «الكلاسيكي» للرقص الشرقي، استوعبن الموسيقى الجديدة، ورقصن عليها بحركات أكثر نشاطًا وأقل انسيابية. الراقصات المصريات المخضرمات، «حارسات بوابات الرقص الشرقي»، هاجمن الرقص الجديد. لم ينتقدن «التكنيك»، وإنما تحدثن عن عدم استحقاق هاته الراقصات للرقص علنًا في المقام الأول، وبعضهن طالب «بالمنع».

الغثُّ أكثر من السمين، لكن تلك هي الحال مع الفنون كافة.
موسيقى المهرجانات لن تتوقف بقرار فوقي.
رقص المهرجانات لن يتوقف بقرار فوقي.

مع ذلك، التمرد وحده لا يكفي. التمرد يكفي لإطلاق صيحة، لكن الحفاظ على هذه الصيحة يحتاج إلى الكثير من الجهد. موسيقى المهرجانات تتطور، ولو ببطء. تفرز الغثّ عن السمين، تحاول الاستفادة من شِعرية «الراب» وتوظيفها في إيقاعات أكثر بهجة، وأكثر انسجامًا مع الأذن المصرية الحالية. ولعلنا نشهد معها المزيد من الموسيقى «الأصلية»، بدلًا من الموسيقى المعاد تدويرها.

يقول ويجز: «جيلي عارف فين الصحّ».
ربما فقط يحتاج إلى بعض الوقت؛
إلى الاستيعاب والقبول، لا النبذ والحرب.

إيهاب عبد الحميد